كتب خالد داود أن الهجوم بطائرة مسيّرة الذي استهدف وحدة أمريكية عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه في ميناء دمياط الأسبوع الماضي أثار سريعًا حملة نفي «وطنية»، قبل أن تؤكد السلطات المصرية لاحقًا أن السفينة الأمريكية تعرضت بالفعل لهجوم بطائرة مسيّرة.
وأضاف في مقال نشره موقع المنصة أنه عندما انتشرت مساء الأربعاء الماضي أنباء استهداف وحدة تخزين وإعادة تغويز عائمة أمريكية بطائرة مسيّرة في ميناء دمياط، سارع معلقون إلى إطلاق حملة نفي حادة بدافع «وطني»، وأصر كثيرون على استحالة وقوع مثل هذا الهجوم، بحجة أن أنظمة الدفاع الجوي المصرية المتطورة لا يمكن لطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات اختراقها، لا سيما إذا أُطلقت من اليمن على مسافة تزيد على ألفي كيلومتر.
ولم تمر سوى ساعات قليلة حتى أصر مدافعون متشددون عن «منظومتنا الحصينة» على أن الحادث لم يكن سوى واقعة عرضية. واستندوا إلى بيان أصدرته وزارة البترول أكد اندلاع حريق على متن سفينة أمريكية وامتداده إلى سفينة مجاورة، لكنه خلا بشكل لافت من أي إشارة إلى سبب الحريق أو إلى هجوم بطائرة مسيّرة.
لكن لم يدم الجدل طويلًا قبل أن يصدر مجلس الوزراء بيانًا رسميًا أكد أن السفينة الأمريكية تعرضت بالفعل لهجوم بطائرة مسيّرة، وهي الأسلحة التي تصدرت الأخبار اليومية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وعلى امتداد سلسلة الصراعات المتواصلة التي أشعلها هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، قبل أن تمتد إلى معظم أنحاء المنطقة.
وعلى عكس الطائرات المقاتلة الشبحية وطائرات إف-35 وقاذفات بي-1 التي يتباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقدراتها، والتي تستطيع التحليق لأكثر من 14 ساعة لإلقاء قنابل تزن طنًا واحدًا، استخدمت إيران طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة. واستهدفت هذه الطائرات قواعد أمريكية ومصافي نفط وحقول غاز ومراكز لتخزين البيانات أنشأتها واشنطن في أنحاء دول الخليج، وألحقت أضرارًا تقدر بمئات مليارات الدولارات.
أحكام متسرعة بشأن هجوم دمياط
في ضوء هذه الحقيقة، بدت السرعة الانفعالية في استبعاد احتمال وقوع هجوم بطائرة مسيّرة أمرًا يصعب فهمه، وكذلك ترديد شعارات من قبيل «مصر محفوظة من كل شر». وكأن تدخلًا إلهيًا سيعوض أي قصور محتمل في منظومة الدفاع الجوي المصرية، أو كأننا نمتلك قدرات تفوق الولايات المتحدة التي عجزت عن اعتراض هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت دول الخليج والأردن والعراق، وأسفرت عن مقتل وإصابة أفراد من القوات الأمريكية.
وما إن هدأ الجدل حول وقوع الهجوم بالطائرة المسيّرة، حتى اندلع جدل حاد حول الجهة المسؤولة عنه، في ظل منطقة تقف على حافة حرب شاملة تدفع إليها استراتيجية أمريكية واضحة تقوم على زيادة الضغط إلى أقصى حد على إيران وإجبارها على التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب وفق الشروط الأمريكية.
وبينما تلتزم السلطات الصمت، مؤكدة استمرار التحقيقات ومحذرة مجددًا من تداول تقارير غير رسمية، انقسم الرأي العام في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ويحمل أحد المعسكرين إيران المسؤولية بشكل مباشر أو عبر حلفائها الإقليميين، مثل حزب الله اللبناني، بالنظر إلى قربه من ميناء دمياط على البحر المتوسط.
في المقابل، يرفض المعسكر الآخر بشدة توجيه أي اتهام إلى طهران، التي ينظر إليها أنصار «محور المقاومة» باعتبارها تقود مواجهة المشروع الإمبريالي الأمريكي وحليفته الصهيونية.
وسارع أنصار «المقاومة» إلى توجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل، زاعمين، من دون تقديم أدلة، أنها دبرت الهجوم بهدف جر مصر إلى الحرب. كما احتفوا بتصريح غامض لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أكد فيه أهمية العلاقات مع مصر، بينما ألمح بصورة مبهمة إلى ضرورة الحذر من «مخططات إسرائيلية وعمليات راية كاذبة تهدف إلى تقويض السلام الإقليمي».
دوافع إيران واحتمالات التورط غير المباشر
لا يحتاج الأمر إلى إعادة تأكيد أن النظام الإسرائيلي يعتبر العمليات الاستخباراتية السرية والمؤامرات مجالًا للتفوق العسكري والتكنولوجي، ولا إلى تكرار أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يصفها الكاتب بأنها حكومة مجرمي حرب، لن تتردد في ارتكاب أي عمل يضر بالمصالح المصرية. لكن اللافت كان المسارعة من جانب معسكر «المقاومة» في مصر إلى تبرئة إيران، رغم أنها لم تصدر حتى الآن نفيًا رسميًا وحاسمًا لأي تورط.
وتُعد الخديعة والتضليل في الممارسة الدبلوماسية جزءًا معروفًا من استراتيجيات التفاوض، وهي مجالات يُنظر إلى الإيرانيين على نطاق واسع باعتبارهم بارعين فيها. ولذلك يصعب فهم تجاهل بعض المراقبين لسجل إيران الواضح خلال الأشهر الخمسة الماضية، بما في ذلك تدبير هجمات على أهداف داخل دول الخليج، من بينها حلفاء تقليديون أو شركاء مقربون مثل قطر وسلطنة عمان، ثم التزام الصمت رسميًا أو طرح احتمال تنفيذ أطراف ثالثة عمليات «راية كاذبة» تهدف إلى إشعال الحرب.
ورغم الهجمات المتكررة التي عطلت بشدة إنتاج الغاز القطري، واصلت قطر وعُمان جهودهما الدبلوماسية للوساطة بهدف وقف الحرب الأمريكية على إيران.
وخلال الأسابيع الأولى من الحرب، أُطلقت كذلك صواريخ إيرانية متفرقة باتجاه تركيا وأذربيجان، حيث توجد أصول أمريكية، قبل أن تصدر إيران نفيًا رسميًا. واختارت الدولتان تجنب المواجهة المباشرة، مع توجيه رسالة إلى طهران مفادها أن الرسالة وصلت، وأنهما لن تسمحا باستخدام أراضيهما منصة لإطلاق هجمات أمريكية على إيران.
وحافظت تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، على هذا الموقف، في ظل العلاقة الخاصة التي تجمع رئيسها رجب طيب أردوغان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. بل لعب أردوغان دورًا مهمًا في إحباط خطط إسرائيلية لإسقاط النظام الإيراني عبر دعم ميليشيات كردية إيرانية، خشية أن يؤدي ذلك إلى إعادة تنشيط الجماعات الكردية المسلحة داخل تركيا.
ويخوض النظام الإيراني الحالي معركة من أجل بقائه. وفي مواجهة آلة عسكرية أمريكية هائلة مدعومة من إسرائيل، التي تتباهى علنًا بتفوق جيشها العسكري في المنطقة وقدراتها النووية، قررت طهران بوضوح أن أقوى أسلحتها تتمثل في إلحاق أكبر قدر ممكن من الاضطراب بالاقتصاد العالمي.
وسواء عبر مواصلة إغلاق مضيق هرمز، أو دفع الحوثيين في اليمن إلى استئناف تعطيل الملاحة في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب ومهاجمة السفن السعودية، فإن الهدف الإيراني، بحسب الكاتب، يتمثل في إجبار ترامب على إنهاء الحرب بصورة كاملة.
ويؤدي إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب إلى عزل الأسواق العالمية عن نفط الخليج، الذي يمثل نحو 22% من الإنتاج العالمي، منها 12% من السعودية وحدها. كما تُقدر الأضرار المحتملة التي تستطيع إيران إلحاقها بمنشآت إنتاج الطاقة والتكرير في الخليج بمئات مليارات الدولارات، وقد تتطلب عمليات الإصلاح وإعادة المنشآت إلى طاقتها الطبيعية سنوات.
وفي حال امتدت الهجمات الإيرانية إلى محطات تصدير الغاز في دمياط، فإن استعراض القوة هذا سيوجه ضربة جديدة وقاسية إلى الاقتصاد العالمي.
ولتحقيق هذا الهدف، ترى إيران أن جميع الوسائل متاحة، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة وتنفيذ هجمات ضد الأعداء والدول الصديقة على حد سواء. وعادة ما توضح طهران للدول الصديقة أن تلك الدول ليست الهدف في حد ذاتها، وإنما المصالح الأمريكية الموجودة على أراضيها في ظل الحرب الدائرة.
ولإخفاء تورطها المباشر في كثير من الأحيان، تعتمد إيران على حلفائها التقليديين، مثل حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية الموالية لها في العراق والحوثيين في اليمن، لتنفيذ مهام محددة، في إطار تصور مشترك بأن هذه الأطراف تواجه جميعًا تهديدًا وجوديًا واحدًا. وإذا سقط النظام الإيراني، فمن المؤكد أن هذه الجماعات ستلقى المصير نفسه، بحسب الكاتب.
لماذا تبدو إسرائيل أقل احتمالًا في هجوم ميناء دمياط؟
تدرك إسرائيل جيدًا أن تدبير هجوم على مصر سيكلفها ثمنًا باهظًا في ظل معاهدة السلام القائمة بين البلدين. كما لم يعد تحديد الجهة المسؤولة عن أي هجوم يمثل تحديًا تقنيًا كبيرًا.
ويرى الكاتب أن الاستمرار في الاستشهاد بقضية لافون عام 1954 باعتبارها دليلًا على خداع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية يبدو عبثيًا، بل يكاد يكون مثيرًا للسخرية، في ظل وجود أمثلة أحدث وأكثر صلة خلال الأشهر الماضية، بداية من تفجيرات أجهزة النداء التي استهدفت عناصر حزب الله، مرورًا باغتيال حسن نصر الله، وصولًا إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين.
وفي ضوء العقيدة الإيرانية الراسخة في مواجهة الحرب العدوانية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها، يرجح الكاتب أن السيناريو الأكثر احتمالًا يتمثل في تورط طهران، على الأرجح بصورة غير مباشرة، في توجيه الطائرة المسيّرة التي استهدفت ميناء دمياط.
وتعتمد التطورات المقبلة بدرجة كبيرة على الموقف الرسمي المصري، الذي يبدو حذرًا من الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران. واختارت مصر باستمرار العمل إلى جانب وسطاء إقليميين مثل قطر وتركيا وباكستان من أجل وقف حرب لا تعد المنطقة والعالم سوى بكارثة.
ورغم معارضة الكاتب للحرب الأمريكية الإسرائيلية غير القانونية على إيران، واعترافه بأن هزيمة إيران بصورة كاملة ستؤدي إلى هيمنة إسرائيلية غير مقبولة على المنطقة، فإنه يرى أن الدفاع الأعمى عن أفعال إيران مرفوض بالقدر نفسه، لأنه يتجاهل المصالح الاستراتيجية لمصر باعتبارها قوة إقليمية رئيسية.
ومن غير المتصور، بحسب الكاتب، أن تخدم المصالح المصرية سيطرة إيران كقوة مهيمنة على نفط الخليج وموارده، وهي المنطقة التي ترتبط معها مصر بمصالح متشابكة بعمق، ويقيم فيها ملايين المصريين.
ويؤكد الكاتب في ختام مقاله أن الموقف المصري من هجوم دمياط لا ينبغي أن يُبنى على الانحياز الأيديولوجي لأي طرف، بل على قراءة واقعية للمصالح الاستراتيجية المصرية في منطقة تشهد إعادة تشكيل متسارعة لموازين القوى والتحالفات.
https://almanassa.com/en/stories/33264

